الأحد , 20 أكتوبر 2019

الدرس الثامن والخمسون | مختصر الشيخ خليل

الدرس الثامن والخمسون من: مختصر الشيخ خليل:مختصر الشيخ خليل

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
وَلِلْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ يُقَدَّرُ بِفِعْلِهَا بَعْدَ شُرُوطِهَا وَلِلْعِشَاءِ مِنْ غُرُوبِ حُمْرَةِ الشَّفَقِ لِلثُّلُثِ الْأَوَّلِ، وَلِلصُّبْحِ مِنْ الْفَجْرِ الصَّادِقِ لِلْإِسْفَارِ الْأَعْلَى ، وَهِيَ الْوُسْطَى، وَإِنْ مَاتَ وَسَطَ الْوَقْتِ بِلَا أَدَاءٍ لَمْ يَعْصِ إلَّا أَنْ يَظُنَّ الْمَوْتَ.
————-
{وَلِلْمَغْرِبِ} وتسمى صلاة الشاهد أي الحاضر لأنها لا تقصر، أو الشاهد نجم يطلع مع المغرب {غُرُوبُ} أي غياب جميع قرص {الشَّمْسِ} أي عينها، ولا عبرة بمغيبها عمن في الأرض خلف الجبال بل المعتمد دليلا على مغيبها إقبال الظلمة من جهة المشرق لحديث: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا».
قال بعضهم:
يشترط الغروب فيما قالوا == في موضع ليست به الجبال
وإن تكن به الجبال يشترطْ == من مشرق طلوع ظلمة فقطْ

وقال الدَّدوْ:
إن حجبت عنك الجبال المغربا == فانظر إلى المشرق حيث ذهبا
في الأفق السَّواد قدر رمح == يشهد للغروب دون قدح
وإن تكن تحجب عنك الشفقا == فبالكواكب الصغار حققا
وقت العشاء ومن الإحياء == ما قلت في المغرب والعشاء
ووقت المغرب ضيق {يُقَدَّرُ بِفِعْلِهَا} مع الأذان والإقامة {بَعْدَ شُرُوطِهَا} -لفاقدها تحصيلا ولواجدها تقديرا- من طهارتي حدث وخبث وستر عورة واستقبال.

قال محمد مولود “آدَّ” في “الكفاف”:
من الزوال لتمام القامةِ == مختار ظهر ولعصر التي
من بعد والمغرب من أن تغربا == لغيبة الشفق عند نجبا
وقدرها مع الأذانين ومعْ == غسل وستر وتنزه تبعْ
تنبيه: ما ذكره المصنف هو أشهر قولي مالك، والآخر: أن وقتها ممتد لمغيب الشفق، وهو الذي في الموطأ وبه صدر القباب واختاره الباجي وشهره الرجراجي وابن العربي. انتهى من الميسر.

وقال محمد يحي بن ابوه الموسوي:
المغرب امتداده للشفق == عن مالك رواه غير العتقي
وهو الذي شهره ابن العربي == وغيره من علماء المذهب
تمسكا بظاهر المدونه == بل الإمام في الموطا دونه
فكان ينبغي الإشارة إليه == أي لخليل رحمة الله عليه
وقال بعضهم:

عن شيخنا الكبير أي محمد == نجل محمد سالم المجدد
أن مؤخر صلاة المغرب  == لغيبة الشفق غير مذنب
وهكذا مؤخر العشاء == لنصف ليله بلا امتراء

(تنبيه) : اعلم أن ما ذكر من اعتبار طهارة الحدث والخبث إنما هو باعتبار المعتاد لغالب الناس، فلا يعتبر تطويل موسوس ولا تخفيف مسرع نادر، كذا استظهره الحطاب. انظر: حاشية الدسوقي.

{وَ}الوقت المختار {لِلْعِشَاءِ مِنْ غُرُوبِ حُمْرَةِ الشَّفَقِ} والإضافة بيانية أي الحمرة التي هي الشفق، ولا ينظر إلى البياض الباقي في ناحية الغروب خلافا لأبي حنيفة القائل بأن الشفق هو البياض.
(فائدة): ذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء: أنه لما قُتل الحسين رضي الله عنه احمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله ثم لا زالت الحمرة ترى فيها بعد ذلك ولم تكن ترى فيها قبله. فانظره. {لِلثُّلُثِ الْأَوَّلِ} من الليل محسوبا من الغروب، وقيل للنصف وهو قوي ولكل من القولين دليل من الحديث، وقيل إلى الفجر وهو ضعيف.
قال أحمد فال بن محمذ فال:
والخلف في المختار للعشاءِ == مشهوره الثلث بلا امتراءِ
وابن حبيب قال بالنصف كما == عن ابن موازٍ حكاه العلما
وقال فيه صاحب الوقارِ == عن ابن وهب للصباح جار

{وَ}الوقت المختار {لِلصُّبْحِ مِنْ الْفَجْرِ الصَّادِقِ} وهو المستطير -بالراء- أي المنتشر ضياؤه حتى يعم الأفق، احترازا من الكاذب وهو المستطيل –باللام- وهو الذي لا ينتشر بل يطلب وسط السماء دقيقا يشبه ذنب السرحان(1) ولا يكون في جميع الأزمان بل في الشتاء ثم يظهر بعده ظلام ثم يظهر الفجر الحقيقي. قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

(2) وهان على سراة بني لؤي == حريق بالبويرة مستطير

{لِلْإِسْفَارِ الْأَعْلَى} وهو الذي تتراءى فيه الوجوه حتى يرى ما فيها من وشم وخال، والإسفار: الظهور. والأعلى: البين الواضح {وَهِيَ} أي الصبح {الْوُسْطَى} عند أهل المدينة، أي الفضلى لأنها وقت كسل ونوم ونجاسة، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. واختلف في الوسطى فقيل: إنها الظهر لوقوعها في وسط النهار، وقيل: إنها المغرب لتوسطها بين ظلام الليل وضوء النهار، وقيل: إنها العشاء لتوسطها بين صلاتين لا يقصران، وقيل غير ذلك، ونظم أبو محمد عبد الرحمن الونشريسي العشرين قولا التي في الوسطى فقال:
كل من الخمس فهي فالجمعهْ == فالوتر فالظهر فجمعة معَهْ
فالخوف فالعيدان فهي مبهمهْ == في الخمس فالعصر ومعها العتَمهْ (3)
فصبح أو عصر على التردد == ثم صلاتنا على محمد
فالصبح مع عصر فوقف فالضحى == ثم الجماعة بها الوسطى اشرحا
وقال بعضهم:
أخفى عن الناس الصلاة الوسطى == وموجبا من الذنوب سخطا
وموجب الرضا من الطاعاتِ == وساعة الجمعة في الساعاتِ
وليلة القدر والاسم الأعظما == ومن تولى أمره رَبُّ السما(4)

{وَإِنْ مَاتَ} المكلف {وَسَطَ الْوَقْتِ} المختار أي في أثنائه {بِلَا أَدَاءٍ} لها فيه {لَمْ يَعْصِ} لعدم تفريطه {إلَّا أَنْ يَظُنَّ} وقيده الحطاب بالظن القوي {الْمَوْتَ} كالمقدم للقتل ولم يؤد حتى مات فإنه يكون عاصيا، وكذا إذا تخلف ظنه فلم يمت لأن الموسع صار في حقه مضيقا، وهذا إذا أمكنته الطهارة وإلا سقطت كما تقدم.

المصدر: تدريس شيخنا العلامة الشيخ بن حم.

——-
(1) – السرحان بكسر السين المهملة: الذيب.
(2) – وهذا هو بيت الشعر الوحيد الوجود في المدونة، وإلى ذلك يشير بعضهم بقوله:
أصبحت فيمن لهم علم بلا أدب == ومن لهم أدب عار من الدين
أصبحت فيهم عديم الشكل منفردا == كبيت حسان في ديوان سحنون
(3) – العتمة: صلاة العشاء.
(4)– فاعل أخفى.