الأحد , 15 سبتمبر 2019

قراءة في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم . (1)

أخوتي الكرام نبدأ معكم في كتاب من أهم الكتب هو كتاب:  الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم ،الشفا

وقد سمعت هذا الكتاب كاملا من  شيخي العلامة الشيخ بن حَمَّ -حفظه الله ورعاه- في درسه المعهود بعد عصر الأثنين، الذي يدرس فيه بجانب كتاب الشفا كتاب فتح الباري على صحيح البخاري ، فجزاه الله عنا خيرا .

مقدمة الكتاب
اللهم صل على سيدنا محمد و آله و سلم .
قال الفقيه القاضي الإمام الحافظ أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي رضي الله عنه : الحمد لله المتفرد باسمه الأسمى ، المختص بالملك الأعز الأحمى ، الذي ليس دونه منتهى ، و لا وراءه مرمى ، الظاهر لا تخيلا و وهما ، الباطن تقدسا لا عدماً ، وسع كل شيء رحمةً و علماً ، و أسبغ على أوليائه نعما عُماً ، و بعث فيهم رسولاً من أنفُسهم، أنفَسهم عُرباً و عجماً ، و أزكاهم محتداً و منمى ، و أرجحهم عقلاً وحلماً، و أوفرهم علماً و فهماً ، و أقواهم يقيناً و عزماً ، و أشدهم بهم رأفة و رحما ، و زكاه روحاً و جسماً ، وحاشاه عيباً و وصماً ، و آتاه حكمة و حكماً ، و فتح به أعيناً عمياً ، و قلوباً غلفاً ، و آذاناً صماً ، فآمن به و عزره ، و نصره من جعل الله له في مغنم السعادة قسماً ، وكذب به و صَدَفَ عن آياته من كتب الله عليه الشقاء حتماً ، { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى}. صلى الله عليه صلاةً تنمو و تُنْمَى ، و على آله وصحبه وسلم تسليمــًا.
أما بعد: أشرق الله قلبي و قلبك بأنوار اليقين ، و لَطَفَ لي و لك بما لطف لأوليائه المتقين ، الذين شرفهم الله بنُزُل قدسه ، وأوحشهم من الخليقة بأنسه ، و خصهم من معرفته و مشاهدة عجائب ملكوته و آثار قدرته بما ملأ قلوبهم حبرة ، ووله عقولهم في عظمته حيرة ، فجعلوا همهم به واحداً ، ولم يروا في الدارين غيره مُشاهدا ، فهم بمشاهدة جماله و جلاله يتنعمون ، وبين آثار قدرته و عجائب عظمته يترددون ، و بالانقطاع إليه و التوكل عليه يتعززون ، لهجين بصادق قوله : { قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} ( سورة الأنعام: آية 91 ) .
فإنك كررت عليَّ السؤال في مجموع يتضمن التعريف بقدر المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وما يجب له من توقير و إكرام ، وما حكم من لم يُوفِّ واجب عظيم ذلك القدر ، أو قصَّر في حق منصبه الجليل قُلامة ظفر ، وأن أجمع لك ما لأسلافنا وأئمتنا في ذلك من مقال ، و أبيِّنه بتنزيل صور وأمثال .
فاعلم _ أكرمك الله _ أنك حملتني من ذلك أمراً إمراً ، و أرهقتني فيما ندبتني إليه عسراً ، و أرقيتني بما كلفتني مرتقى صعباً ، ملأ قلبي رعباً.
فإن الكلام في ذلك يستدعي تقرير أصول و تحرير فصول ، و الكشف عن غوامض و دقائق من علم الحقائق ، مما يجب للنبي صلى الله عليه وسلم ويضاف إليه ، أو يمتنع أو يجوز عليه ، ومعرفة النبي و الرسول ، و الرسالة والنبوة ، والمحبة والخلة ، وخصائص هذه الدرجة العلية ، وها هنا مهامه فِيحٌ تحار فيها القطا ، و تقصر بها الخُطا ، و مجاهل تضل فيها الأحلام إن لم تهتد بعلم علم و نظر سديد ، و مداحض تزل بها الأقدام ،إن لم تعتمد على توفيق من الله وتأييد، لكني لما رجوتُه لي ولك في هذا السؤال والجواب من نوال و ثواب ، بتعريف قدره الجسيم ، وخلقه العظيم ، وبيان خصائصه التي لم تجتمع قبل في مخلوق ، و ما يدان الله تعالى به من حقه الذي هو أرفع الحقوق ، { لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} ،
ولما أخذ الله تعالى على الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس و لا يكتمونه .
ولما حدثنا به أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه بقراءتي عليه ، قال : حدثنا الحسين ابن محمد ، حدثنا أبو عمر النمري حدثنا أبو محمد بن عبد المؤمن ، حدثنا أبو بكر محمد ابن بكر ، حدثنا سليمان بن الأشعث ، حدثنا موسى بن اسماعيل ، حدثنا حماد ، حدثنا علي بن الحكم ، عن عطاء ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة) .
فبادرت إلى نُكَتِ مسفرة عن وجه الغرض ، مؤدياً من ذلك الحق المفترض ، اختلسها على استعجال ، لما المرء بصدده من شغل البدن و البال ، بما قلده من مقاليد المحنة التي ابتلى بها ، فكادت تشغل عن كل فرض ونفل ، وترد بعد حسن التقويم إلى أسفل سفل ، ولو أراد الله بالإنسان خيراً لجعل شغله وهمه كله فيما يحمد غداً ولا يذم محله ، فليس ثم سوى نضرة النعيم ، أو عذاب الجحيم ، ولكان عليه بخويصته واستنفاذ مهجته، وعمل صالح يستزيده ، وعلم نافع يفيده أو يستفيده .
جبر الله تعالى صدع قلوبنا ، وغفر عظيم ذنوبنا ، وجعل جميع استعدادنا لمعادنا ، وتوفر دواعينا فيما ينجينا ويقربنا إليه زلفى ، ويحظينا بمنه وكرمه ورحمته .
ولما نويت تقريبه ، ودرجت تبويبه ، ومهدت تأصيله ، وخلصت تفصيله ، وانتحيت حصره وتحصيله ، ترجمته بـ (( الشفا تعريف حقوق المصطفى)) ، وحصرت الكلام فيه في أقسام أربعة :
القسم الأول : في تعظيم العلي الأعلى لقدر هذا النبي قولاً و فعلاً ، وتوجه الكلام فيه في أربعة أبواب :
الباب الأول : في ثنائه تعالى عليه ، واظهاره عظيم قدره لديه ، و فيه عشرة فصول .
الباب الثاني : في تكميله تعالى له المحاسن خَلقاً وخُلقاً ، وقرانه جميع الفضائل الدينية والدنيوية فيه نسقاً ، و فيه سبعة و عشرون فصلاً .
الباب الثالث: فيما ورد من صحيح الأخبار ومشهورها بعظيم قدره عند ربه ومنزلته، وما خصه الله به في الدارين من كرامته وفيه اثنا عشر فصلا.
الباب الرابع : فيما أظهره الله تعالى على يديه من الآيات والمعجزات ، وشرفه به من الخصائص و الكرامات ، و فيه ثلاثون فصـلا .
القسم الثاني : فيما يجب على الأنام من حقوقه عليه الصلاة والسلام ، ويترتب القول فيه في أربعة أبواب :
الباب الأول : في فرض الإيمان به ووجوب طاعته واتباع سنته ، وفيه خمسة فصول .
الباب الثاني : في لزوم محبته ومناصحته ، و فيه ستة فصول .
الباب الثالث : في تعظيم أمره ولزوم توقيره وبره ، وفيه سبعة فصول .
الباب الرابع : في حكم الصلاة عليه و التسليم و فرض ذلك و فضيلته ، و فيه عشرة فصول .
القسم الثالث : ـ فيما يستحيل في حقه صلى الله عليه وسلم، وما يجوز عليه شرعاً ، وما يمتنع ويصح من الأمور البشرية أن يضاف إليه .
و هذا القسم -أكرمك الله- هو سر الكتاب ، و لُباب ثمرة هذه الأبواب ، و ما قبله له كالقواعد و التمهيدات والدلائل على ما نورده فيه من النكت البينات ، وهو الحاكم على ما بعده ، والمنجز من غرض هذا التأليف وعده ، و عند التقصي لموعدته ، والتفصي عن عهدته ، يشرق صدر العدو اللعين ، ويشرق قلب المؤمن باليقين ، و تملأ أنواره جوانح صدره و يقدر العاقل النبيَّ حق قدره . و يتحرر الكلام فيه في بابين:
الباب الأول : فيما يختص بالأمور الدينية ، و يتشبث به القول في العصمة، و فيه ستة عشر فصلاً .
الباب الثاني : في أحواله الدنيوية ، و ما يجوز طُروُّه عليه من الأعراض البشرية،و فيه تسعة فصول.
القسم الرابع : في تصرف وجوه الأحكام على من تنقصه أو سبه صلى الله عليه وسلم و ينقسم الكلام فيه في بابين :
الباب الأول : في بيان ما هو في حقه سب و نقص ، من تعريض ، أو نص ، و فيه عشرة فصول .
الباب الثاني : في حكم شانئه ومؤذيه ومتنقصه وعقوبته ، وذكر استتابته ، و الصلاة عليه و وراثته ، و فهي أربعة فصول .
وختمناه بباب ثالث جعلناه تكملة لهذه المسألة ، ووصلة للبابين اللذين قبله في حكم من سب الله تعالى ورسله وملائكته وكتبه ، وآل النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه .
و اختصر الكلام فيه في خمسة فصول ، و بتمامها ينتجز الكتاب ، و تتم الأقسام و الأبواب ، وتلوح في غرة الإيمان لمعة منيرة ، وفي تاج التراجم درة خطيرة ، تزيح كل لبس ، و توضح كل تخمين وحدس ، و تشفي صدور قوم مؤمنين ، وتصدع بالحق ، وتعرض عن الجاهلين ، وبالله تعالى ـ لا إله سواه ـ أستعين .