الأحد , 15 سبتمبر 2019

الدرس الخامس والخمسون | مختصر الشيخ خليل:

الدرس الخامس والخمسون من مختصر الشيخ خليل:مختصر الشيخ خليل
وَالطُّهْرُ بِجُفُوفٍ، أَوْ قَصَّةٍ وَهِيَ أَبْلَغُ لِمُعْتَادَتِهَا فَتَنْتَظِرُهَا لِآخِرِ الْمُخْتَارِ، وَفِي الْمُبْتَدَأَةِ تَرَدُّدٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا نَظَرُ طُهْرِهَا قَبْلَ الْفَجْرِ، بَلْ عِنْدَ النَّوْمِ وَالصُّبْحِ، وَمَنَعَ صِحَّةَ صَلَاةٍ، وَصَوْمٍ، وَوُجُوبَهُمَا، وَطَلَاقًا، وَبَدْءَ عِدَّةٍ وَوَطْءَ فَرْجٍ، أَوْ تَحْتَ إِزَارٍ وَلَوْ بَعْدَ نَقَاءٍ وَتَيَمُّمٍ، وَرَفْعَ حَدَثِهَا وَلَوْ جَنَابَةً وَدُخُولَ مَسْجِدٍ فَلَا تَعْتَكِفُ وَلَا تَطُوفُ ؛ وَمَسَّ مُصْحَفٍ لَا قِرَاءَةً. وَالنِّفَاسُ: دَمٌ خَرَجَ لِلْوِلَادَةِ، وَلَوْ بَيْنَ تَوْأَمَيْنِ وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ، فَإِنْ تَخَلَّلَهُمَا فَنِفَاسَانِ، وَتَقَطُّعُهُ وَمَنْعُهُ كَالْحَيْضِ، وَوَجَبَ وُضُوءٌ بِهَادٍ وَالْأَظْهَرُ نَفْيُهُ.
——————
ثم شرع في بيان علامة انتهاء الحيض بقوله: {وَالطُّهْرُ} من الحيض إما {بِجُفُوفٍ} وهو خلو المحل من أنواع الدم، لا من البلل لأن المحل محل بلل، {أَوْ قَصَّةٍ} بفتح القاف ماء أبيض يخرج من فرج المرأة.
قال شيخنا العلامة الشيخ بن حَمَّ –حفظه الله ورعاه-:
وقَصَّة الحيض بفتح والتي == تُكتب أو للأمر قل بالكسرةِ
وضمُّها لشعر الناصية == ورتِّبَنْ جموعَها في المثبت
مثل رجالٍ عنب وصُرد == وكرجال لأخيرها زِدِ
قال بعضهم:
حقيقة القصة في التفسير == جريان ماء أبيض كالجير
كأنما خلط بالرماد == وذاك وصفها بلا عناد
وقال آخر:
حقيقة القصة ماء أبيض == تراه بعد حيضهن الحيض
وقال آخر:
حقيقة القصة عند من ضبط == كمثل ماء برماد اختلط

{وَهِيَ أَبْلَغُ} أي أقطع للشك وأحصل لليقين في النقاء من الجفوف عند ابن القاسم {لِمُعْتَادَتِهَا} فقط أو مع الجفوف، وحاصل الفقه: أن معتادة الجفوف فقط إذا رأت القصة أولا لا تنتظره، وإذا رأته أولا لا تنتظر القصة، وأما معتادة القصة فقط أو مع الجفوف إذا رأت الجفوف أولا ندب لها انتظار القصة لآخر المختار، وإن رأت القصة أولا فلا تنتظر شيئا بعد ذلك.
قال الإمام بن الفقيه ابن نور الدين المجلسي:
معتادة الجفوف لا تنتظر == إذا رأته قصة قد ذكروا
وإن رأتها أولا لم تنتظر == إياه و”المرام” فيه ذا ظهر

{فَتَنْتَظِرُهَا} ندبا معتادتها فقط، أو هي مع الجفوف {لِآخِرِ الْمُخْتَارِ} بإخراج الغاية، فلا تستغرق المختار بالانتظار، بل توقع الصلاة في بقية منه بحيث يطابق فراغها منها آخره،
قال محمدن بن ميميه:
لا تبطل القصة غسلا وهل == بها الوضو يبطل أو لم يبطل
وليس يبعد بلا عناد == تخريجها على الذي في الهادي
من الخلاف قد أتى وذا في == حاشية الرهوني قد يوافي

{وَفِي} علامة طهر {الْمُبْتَدَأَةِ تَرَدُّدٌ} في النقل عن ابن القاسم، فنقل عنه الباجي أنها لا تطهر إلا بالجفوف، ولا ريب في إشكاله لمخالفته لقاعدته (وهي أن القصة أبلغ مطلقا)، ونقل عنه المازري أنها إذا رأت الجفوف أو القصة طهرت وهذا هو المعتمد، {وَلَيْسَ عَلَيْهَا} أي الحائض لا وجوبا ولا ندبا {نَظَرُ طُهْرِهَا قَبْلَ الْفَجْرِ} بل يكره، إذ ليس من عمل الناس، ولقول الإمام مالك: (لا يعجبني)، {بَلْ عِنْدَ النَّوْمِ} لتعلم حكم صلاة الليل، والصوم، والأصل استمرار ما كانت عليه عند النوم، {وَ}عند صلاة {الصُّبْحِ} وغيرها من الصلوات، وجوبا موسعا في الجميع إلى أن يبقى ما يسع الغسل والصلاة فيجب وجوبا مضيقا.
(تنبيه): من استيقظت بعد طلوع الشمس وشكت هل طهرت قبل الفجر، أو بعده، أو بعد طلوع الشمس، تسقط عنها الصبح حينئذ كما تسقط المغرب والعشاء.
قال شيخنا العلامة الشيخ بن حَمَّ -حفظه الله ورعاه-:
ومن تكن من المنام هبت == بعد طلوع الشمس ثم شكت
هل قبل فجر طهرها أو بعدُ == أو بعدما طلوع شمس يبدو
يسقط صبحها كما عنها سقط == كلا العشائين لدى من قد فرط
وعزو ما ذكرت للبناني == مع الدسوقي العظيم الشان
{وَمَنَعَ} الحيض {صِحَّةَ صَلَاةٍ، وَصَوْمٍ} فرضا أو نفلا أداء وقضاء، {وَوُجُوبَهُمَا} قيل: حالا ومآلا في الصلاة، وحالًا فقط في الصوم، لكن المعتمد أنه يمنع وجوبهما حالا ومآلا في الصلاة والصوم، ووجوب قضاء الصوم بأمر جديد.
قال لمرابط محمذ فال بن متالي:
وبنت خير الخلق فاطمة لم == تترك صلاة قط إذ لم تر دم
{وَ}منع {طَلَاقًا} بمعنى أنه يحرم إيقاعه زمنه إن دخل وكانت غير حامل، ووقع وأجبر على الرجعة كما يأتي، {وَبَدْءَ عِدَّةٍ} فيمن تعتد بالأقراء، فلا تحسب أيام الحيض منها، بل مبدؤها من الطهر الذي بعد الحيض {وَوَطْءَ فَرْجٍ} إجماعا، وتجب علي من وطئ فيه التوبة والإستغفار، {أَوْ تَحْتَ إِزَارٍ} أي يحرم الاستمتاع بما بين السرة والركبة ولو على حائل.
قال مم ابن عبد الحميد:
جميع أبدان النساء اعتزلا == في زمن الـمحيض بعض الفضلا
دليله في عدم التبعيض == فاعتزلوا النساء في الـمحيض
ومن قفا ظاهر هذا ما عثر == على الذي ورد في ذا من أثر
ومالك أباح ما فوق الإزار == وصحب مالك ببغداد الخيار
جمهورهم وفقهاء الأمصار == جميعهم لما رآه أنصار
والقرم قرم العلماء أصبغ == ما ليس فرجا عنده مسوغ
وذا موافق لفتيا عائشهْ == فلا تكن أخا سهام طائشهْ
ونجل رشد في المقدمات == بنثر ما هنا نظمت آتي

{وَلَوْ بَعْدَ نَقَاءٍ} من الحيض {وَ}بعد {تَيَمُّمٍ} تحل به الصلاة لأنه وإن حلت به لا يرفع الحدث ولا بد من التطهير بالماء، إلا لطول يحصل به ضرر فله الوطء بعد التيمم ندبا.
قال بعضهم:
أباح ابن شعبان لنا وطءَ حائض == إذا طهرت من حيضها بالتيمم
كذا ابنُ بُكير بعد طهر أباحَه == وفيما عدى فرج لأصبغ قد نمي
وقولان فيما دونه من تلذذٍ == مباشرةً كل ترَجَّح فاعلم
وخلفهم في مسها فوق حائل == يرجح منه ذو الجواز المعمَّمِ
{وَ}منع {رَفْعَ حَدَثِهَا} فلا يصح غسلها حال حيضها إذا نوت رفع حدث الحيض بل {وَلَوْ جَنَابَةً} كانت عليها قبل الحيض أو بعده على المشهور، {وَ}منع {دُخُولَ مَسْجِدٍ} إلا لعذر كخوف على نفس أو مال {فَلَا تَعْتَكِفُ وَلَا تَطُوفُ} إذ لا يفعلان إلا في مسجد، {وَ}منع {مَسَّ مُصْحَفٍ} ما لم تكن معلمة أو متعلمة وإلا جاز مسها له {لَا} يمنع {قِرَاءَةً} حال استرسال الدم عليها كانت جنبا أم لا خافت النسيان أم لا على المعتمد، كما أن المعتمد: أن الحائض إذا انقطع حيضها لا تقرأ حتى تغتسل جنبا كانت أو لا، إلا أن تخاف النسيان.
قال أحمد يگن:
قراءة الحائض غير الجنب == بعد جفاف الدم منعها اجتبي
كما لدى الإمام عبد الحق == وغير واحد من أهل الحق
والشيخ في التوضيح لم يذكر سواه == ونجل فرحون كذا ممن رواه
والباجي قد أجاز والحطاب == إليه ذا الحكم له انتساب
وقال عبد الله ابن محمد سالم:
ألا يا فقيه العصر يا من نعُوته == بها يهتدي من بات يفري الدياجيا
أبن جنبا يتلو الكتاب نهاره == وإن جن جنح الليل لم يك تاليا
جواب عبد القادر ابن محمد سالم:
إذا جنبٌ حاضت فتتلو كتابنا == وإن طهرت فالمنع من ذا بدا ليا
فإن يك وقت الطهر ليلا ويومها == محيضا يكون الِحل في اليوم باديا

ولما فرغ من الحيض أتبعه بالنفاس فقال: {وَالنِّفَاسُ:} لغة: الولادة، وشرعا: {دَمٌ خَرَجَ لِلْوِلَادَةِ} بعدها اتفاقا، أو معها على الأصح، لا قبلها إن كان متصلا بها على أحد قولين.
قال بعضهم:
الدم حيض باتفاقٍ حيثما == لم يتصل به النفاس فاعلما
وحيثما اتصل بالنفاس == فهو نفاس عند جل الناس
عزا إلى الحطاب ذا البناني == ردًّا على ما شهَّرَ الزرقاني
تذييل محمدن بن ميميه:
لكن ما شهر عبد الباقي == صوبه الحائز للسباق
أي الرهوني الرضى ويظهر == تصحيحه مما حكى الميسر
{وَلَوْ بَيْنَ تَوْأَمَيْنِ} وهما ولدان من بطن واحد لم يكن بينهما ستة أشهر خلافا لمن قال إن الدم الذي بينهما حيض {وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ} يوما ولا تستظهر، ولا حدَّ لأدناه.
(تنبيه): علم مما تقدم ومن هنا: أن أربعا من النساء لا تستظهر واحدة منهن، وهن: المبتدأة، والحامل، والمستحاضة إذا ميزت الدم بعد طهر تام، والنفساء.
{فَإِنْ تَخَلَّلَهُمَا} أي تخلل أكثرُ النفاس التوأمين، {فَنِفَاسَانِ} كما لو ولدت ولدا وبقي في بطنها آخر فلم تضعه إلا بعد شهرين فللولد الثاني نفاس آخر، أما إن تخللهما أقل من الستين يوما فنفاس واحد فتبني بعد وضع الثاني على ما مضى من الأول، وكذا الحكم إن تخللتهما خمسة عشر بيضاء، فإن حصل لها النقاء خمسة عشر يوما ثم أتت بولد فإنها تستأنف له نفاسا لانقطاع حكم النفاس بمضي المدة المذكورة. {وَتَقَطُّعُهُ} أي النفاس كالحيض، فتلفق ستين يوما من غير نظر لعادة وتلغي أيام الانقطاع إلا أن تكون نصف شهر فالدم الآتي بعدها حيض، {وَمَنْعُهُ كَالْحَيْضِ} فيمنع كل ما منعه الحيض، وتجوز القراءة خلافا لابن جماعة وابن الحاجب. {وَوَجَبَ وُضُوءٌ بِهَادٍ} وهو ماء أبيض يخرج من الحامل بقرب الولادة لأنه بمنزلة البول {وَالْأَظْهَرُ} عند ابن رشد {نَفْيُهُ} والمعتمد الأول.
المصدر: تدريس شيخنا العلامة الشيخ بن حَمَّ ابن عابدين الصعيدي حفظه الله ورعاه

الحمد لله الذي بنعمته وجلاله تتم الصالحات.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.